أبي بكر الكاشاني

138

بدائع الصنائع

الرمي في يوم النحر فكذا في اليوم الثاني والثالث لان الكل أيام النحر وجه الرواية المشهورة ما روى عن جابر رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة يوم النحر ضحى ورمى في بقية الأيام بعد الزوال وهذا باب لا يعرف بالقياس بل بالتوقيف فان أخر الرمي فيهما إلى الليل فرمى قبل طلوع الفجر جاز ولا شئ عليه لان الليل وقت الرمي في أيام الرمي لما روينا من الحديث فإذا رمى في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال فأراد أن ينفر من منى إلى مكة وهو المراد من النفر الأول فله ذلك لقوله تعالى فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه أي من نفر إلى مكة بعد ما رمى يومين من أيام التشريق وترك الرمي في اليوم الثالث فلا اثم عليه في تعجيله والأفضل أن لا يتعجل بل يتأخر إلى آخر أيام التشريق وهو اليوم الثالث منها فيستوفى الرمي في الأيام كلها ثم ينفر وهو المعنى من النفر الثاني وذلك معنى قوله تعالى ومن تأخر فلا اثم عليه وفى ظاهر هذه الآية الشريفة اشكال من وجهين أحدهما انه ذكر قوله تعالى لا اثم عليه في المتعجل والمتأخر جميعا وهذا إن كان يستقيم في حق المتعجل لأنه يترخص لا يستقيم في حق المتأخر لأنه أخذ بالعزيمة والأفضل والثاني أنه قال تعالى في المتأخر فلا اثم عليه لمن اتقى قيده بالتقوى وهذا التقييد بالمتعجل أليق لأنه اخذ بالرخصة ولم يذكر فيه هذا التقييد والجواب عن الاشكال الأول ما روى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية فمن تعجل في يومين غفر له ومن تأخر غفر له وكذا روى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى فلا اثم عليه رجع مغفورا له وأما قوله تعالى لمن اتقى فهو بيان أن ما سبق من وعد المغفرة للمتعجل والمتأخر بشرط التقوى ثم من أهل التأويل من صرف التقوى إلى الاتقاء عن قتل الصيد في الاحرام أي لمن اتقى قتل الصيد في حال الاحرام وصرف أيضا قوله تعالى واتقوا الله أي فاتقوا الله ولا تستحلوا قتل الصيد في الاحرام ومنهم من صرف التقوى إلى الاتقاء عن المعاصي كلها في الحج وفيما بقي من عمره ويحتمل أن يكون المراد منه التقوى عما حظر عليه الاحرام من الرفث والفسوق والجدال وغيرها والله أعلم وإنما يجوز له النفر في اليوم الثاني والثالث ما لم يطلع الفجر من اليوم الثاني فإذا طلع الفجر لم يجز له النفر وأما وقت الرمي من اليوم الثالث من أيام التشريق وهو اليوم الرابع من أيام الرمي فالوقت المستحب له بعد الزوال ولو رمى قبل الزوال يجوز في قول أبي حنيفة وفى قول أبى يوسف ومحمد لا يجوز واحتجا بما روى عن جابر رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة يوم النحر ضحى ورمى في بقية الأيام بعد الزوال وأوقات المناسك لا تعرف قياسا فدل ان وقته بعد الزوال ولان هذا يوم من أيام الرمي فكان وقت الرمي فيه بعد الزوال كاليوم الثاني والثالث من أيام التشريق ولأبي حنيفة ما روى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال إذا افتتح النهار من آخر أيام التشريق جاز الرمي والظاهر أنه قاله سماعا من النبي صلى الله عليه وسلم إذ هو باب لا يدرك بالرأي والاجتهاد فصار اليوم الأخير من أيام التشريق مخصوصا من حديث جابر رضي الله عنه بهذا الحديث أو يحمل فعله في اليوم الأخير على الاستحباب ولان له أن ينفر قبل الرمي ويترك الرمي في هذا اليوم رأسا فإذا جاز له ترك الرمي أصلا فلان يجوز له الرمي قبل الزوال أولى والله أعلم * ( فصل ) * وأما مكان الرمي ففي يوم النحر عند جمرة العقبة وفى الأيام الأخر عند ثلاثة مواضع عند الجمرة الأولى والوسطى والعقبة ويعتبر في ذلك كله مكان وقوع الجمرة لامكان الرمي حتى لو رماها من مكان بعيد فوقعت الحصاة عند الجمرة أجزأه وان لم تقع عنده لم تجزها الا إذا وقعت بقرب منها لان ما يقرب من ذلك المكإن كان في حكمه لكونه تبعا له والله أعلم * ( فصل ) * وأما الكلام في عدد الجمار وقدرها وجنسها ومأخذها ومقدار ما يرمى كل يوم عند كل موضع وكيفية الرمي وما يسن في ذلك وما يستحب وما يكره فيأتي إن شاء الله تعالى في بيان سنن أفعال الحج والله أعلم * ( فصل ) * وأما بيان حكمه إذا تأخر عن وقته أو فات فنقول إذا ترك من جمار يوم النحر حصاة أو حصاتين أو ثلاثا إلى الغد فإنه يرمى ما ترك أو يتصدق لكل حصاة نصف صاع من حنطة الا أن يبلغ قدر الطعام دما فينقص ما شاء ولا